محمد أبو زهرة

3964

زهرة التفاسير

والعربية صفة الشريعة وإن كانت عامة في تطبيقها ؛ وذلك لأن الشريعة نزلت ، واختار الله تعالى نبيه من بينهم ، . . . اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ . . . ( 124 ) [ الأنعام ] ؛ وذلك لأن العرب من بين الأمم كانوا أعرف الناس بالله فهم كما ذكرنا في عدة من كتاباتنا كانوا يؤمنون بأن الله خالق السماوات والأرض ومن فيهن ، ويؤمنون بأنه واحد في ذاته وصفاته ، ولكنهم كانوا في العبادة يشركون معه الأوثان ، وغيرهم من الأمم التي عاصرت مبدأ الإسلام ما كانت فيها معرفة الله تعالى تلك المعرفة فكانت جديرة بأن تكون أرض الدين الذي يدعو إلى التوحيد المطلق ، إذ كانت فيه بذوره ، فكان عمل محمد صلى اللّه عليه وسلم تقويم سوقه . وإن ذلك يقتضى ألا يتبع النبي صلى اللّه عليه وسلم أهواء المشركين ، ولا أهواء أهل الكتاب ؛ ولذا قال تعالى : وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ الضمير في أَهْواءَهُمْ يعود إلى المشركين وأهل الكتاب ، وقد وصف بأن ما هو عليه هوى الأنفس ، وشهوة العقل الفاسد ، فهو الخاضع للأوهام الذي لا يسيطر عليه عقل مدرك ، ولا جاء من العلم للنبي صلى اللّه عليه وسلم هو علم التوحيد ، وعلم التكليف ، وكل ما عداه انبعث من الهوى وضلال الفكر ، وفساد الاعتقاد ، واللام في قوله تعالى : وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ هي لام مؤكدة ممهدة للقسم ، وما جاء بعد ذلك جواب القسم لا جواب الشرط ؛ لأنه إذا اجتمع الشرط والقسم يكون جواب القسم أولى وأجدر ، ويكون دالا على جواب الشرط . فالكلام فيه قسم مطوى ، وهو تأكيد للحكم ، وهو العذاب الذي ينزله الله تعالى ، ولا وقاية منه ، أيا كان الواقى ، والخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وليس هناك احتمال لأن يتبع النبي صلى اللّه عليه وسلم أهواءهم فما اتبعها قبل أن يبعثه الله رسولا ، فكيف يتبعها بعد أن شرفه الله تعالى بالرسالة العامة الخالدة ، وإنما الخطاب له ابتداء ، لتقتدى به أمته ، وتتبعه ، أو يكون الخطاب لكل قارئ للقرآن مخاطب بأحكامه وبيانه ، وجواب القسم ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ من الله متعلق بواق ، ومن الثانية لاستغراق النفي ، أي ليس لك واق من عذاب الله تعالى أي واق كان ، كقوله